أحمد زكي صفوت
61
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
وجنّد الجنود ، وكتّب الكتائب ، واعقد الألوية ، وانصب الرايات ، وأظهر أنك موجّه إليهم الجيوش مع أحنق قوّادك عليهم ، وأسوئهم أثرا فيهم ، ثم ادسس الرسل ، وابثث الكتب ، وضع بعضهم على طمع من وعدك ، وبعضا على خوف من وعيدك ، وأوقد بذلك وأشباهه نيران التحاسد فيهم ، واغرس أشجار التنافس بينهم ، حتى تملأ القلوب من الوحشة ، وتنطوى الصدور على البغضة ، ويدخل كلا من كلّ الحذر والهيبة ، فإن مرام الظفر بالغيلة ، والقتال بالحيلة ، والمناصبة « 1 » بالكتب ، والمكايدة بالرسل ، والمقارعة بالكلام اللطيف المدخل في القلوب ، القوىّ الموقع من النفوس ، المعقود بالحجج ، الموصول بالحيل ، المبنى على اللين الذي يستميل القلوب ، ويسترقّ العقول والآراء ، ويستميل الأهواء ، ويستدعى المواتاة « 2 » ، أنفذ من القتال بظبات السيوف ، وأسنّة الرماح ، كما أن الوالي الذي يستنزل طاعة رعيته بالحيل . ويفرّق كلمة عدوّه بالمكايدة ، أحكم عملا ، وألطف منظرا ، وأحسن سياسة من الذي لا ينال ذلك إلا بالقتال ، والإتلاف للأموال . والتغرير والخطار « 3 » . وليعلم المهدى أنه إن وجّه لقتالهم رجلا لم يسر لقتالهم إلا بجنود كثيفة ، تخرج عن حال شديدة ، وتقدم على أسفار ضيقة ، وأموال متفرقة ، وقود غششة ، إن ائتمنهم استنفدوا ماله ، وإن استنصحهم كانوا عليه لا له » . قال المهدى : « هذا رأى قد أسفر نوره ، وأبرق ضوأه ، وتمثّل صوابه للعيون ، وتجسد حقه في القلوب ، ولكن فوق كلّ ذي علم عليم » ، ثم نظر إلى ابنه علىّ ، فقال : ما تقول ؟
--> ( 1 ) ناصبه الحرب والعداوة : أقامها . ( 2 ) الموافقة . ( 3 ) المخاطرة .